ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
168
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
وأما فيما يقويه على العبادة وذلك هو المطعم والملبس والمنكح فإن هذه الضرورات إذا لم يتيسر كان القلب منصرفا إلى تدبيرها فلا يتفرغ للدين وما لا يتوصل إلى العبادة إلا به فهو عباده وأخذ الكفاية من الدنيا للاستعانة على الدين من الفوائد الدينية فلا يدخل في هذه التنعم والزيادة على الحاجة فإن ذلك من حظوظ الدنيا فقط . النوع الثاني ما تصرفه إلى الناس من صدقة واستخدام ومروة ( 1 ) ووقاية العرض والاستخدام . أما الصدقة فلا يخفى ثوابها وإنها لتطفئ غضب الرب وفضائلها معروفة فلا نطول بذكرها . وأما المروءة فنعني بها صرف المال إلى الأغنياء والأشراف في ضيافة وهدية وإعانة وما يجري مجراه فإن هذه لا تسمى صدقة بل الصدقة ما تسلم إلى المحتاج إلا أن هذا أيضا من الفوائد الدينية إذ به يكتسب العبد الإخوان والأصدقاء وبه يكتسب صفة السخاء ويلتحق بزمرة الأسخياء فلا يوصف بالجود إلا من يصطنع المعروف ويسلك سبيل الفتوة والمروءة وهذا أيضا مما يعظم الثواب فيه فقد وردت أخبار كثيرة في الهدايا والضيافات وإطعام الطعام من غير اشتراط الفقر والفاقة في مصارفها . وأما وقاية العرض فنعني به بذل المال لدفع هجو الشعراء وثلب ( 2 ) السفهاء ودفع شرهم وقطع ألسنتهم وهذا أيضا مع تبخز فائدته في العاجلة من الحظوظ الدينية أيضا . وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ما وقى به المرء عرضه فهو له صدقة فكيف لا وفيه منع المغتاب عن معصية الغيبة واحتراز عما يثور من كلامه من العداوة التي تحمل في المكاره والانتقام على مجاوزة الحد في الشرع . وأما الاستخدام فهو أن الأعمال التي يحتاج إليها الإنسان لتهية أسبابه
--> ( 1 ) المروة - كالفتوة - والمروءة بالهمزة : كمال الرجولية وبالفارسية « جوانمردى » . ( 2 ) ثلبه ثلبا من باب ضرب : عابه ولامه . اغتابه . سبه .